أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

231

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

نَعْبُدُهُمْ إِلَّا » « 1 » أي : يقولون ذلك ، وأما الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ « 2 » أي : فيقال لهم ذلك وقد تقدّم القول في « كل » وتصريفه . قوله : مِنْ طَيِّباتِ « من » لابتداء الغاية أو للتبعيض ، وقال أبو البقاء : « أو لبيان الجنس والمفعول محذوف أي : كلوا شيئا من طيبات » وهذا غير مرض ، لأنه كيف يبيّن شيء ثم يحذف ؟ قوله : ما رَزَقْناكُمْ يجوز في « ما » أن تكون بمعنى الذي ، وما بعدها صلة لها والعائد محذوف ، أي : رزقناكموه ، وأن تكون نكرة موصوفة . فالجملة لا محلّ لها على الأول ومحلّها الجرّ على الثاني ، والكلام في العائد كما تقدّم ، وأن تكون مصدرية والجملة صلتها ، ولم يحتج إلى عائد على ما عرف قبل ذلك ، ويكون هذا المصدر واقعا موقع المفعول ، أي : من طيبات مرزوقنا . قوله تعالى : أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « أنفسهم » مفعول مقدّم ، و « يظلمون » في محلّ النصب لكونه خبر « كانوا » ، وقدّم المفعول إيذانا باختصاص الظلم بهم وأنّه لا يتعدّاهم . والاستدراك في « لكن » واضح . ولا بدّ من حذف جملة قبل قوله « وما ظلمونا » ، فقدّره ابن عطية : فعصوا ولم يقابلوا النّعم بالشكر . وقال الزمخشري : « تقديره : فظلمونا بأن كفروا هذه النّعم وما ظلمونا ، فاختصر الكلام بحذقه لدلالة « وما ظلمونا » عليه . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 58 إلى 59 ] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 ) قوله تعالى : هذِهِ الْقَرْيَةَ : « هذِهِ » منصوبة عند سيبويه على الظرف وعند الأخفش على المفعول به ، وذلك أنّ كلّ ظرف مكان مختصّ لا يتعدّى إليه الفعل إلا ب « في » ، تقول : صلّيت في البيت ، ولا تقول : صلّيت البيت ؛ إلا ما استثني . ومن جملة ما استثني « دخل » مع كلّ مكان مختصّ ، نحو : دخلت البيت والسوق ، وهذا مذهب سيبويه . وقال الأخفش : الواقع بعد « دخلت » مفعول به كالواقع بعد هدمت في قولك : « هدمت البيت » فلو جاء « دخل » مع غير الظرف تعدّى بفي ، نحو : دخلت في الأمر ، ولا تقول : دخلت الأمر ، وكذا لو جاء الظرف المختصّ مع غير « دخل » تعدّى ب « في » إلا ما شذّ كقوله : 485 - جزى اللّه ربّ الناس خير جزائه * رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد « 3 » و « القرية » نعت ل « هذه » ، أو عطف بيان كما تقدّم ، والقرية مشتقة من قريت أي : جمعت ، تقول : قريت الماء في الحوض ، أي : جمعته ، واسم ذلك الماء : قرى بكسر القاف . والمقراة : الجفنة العظيمة ، وجمعها مقار ، قال :

--> ( 1 ) سورة الزمر ، آية ( 3 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 106 ) . ( 3 ) قيل هذا البيت لرجل من الجن سمعوا بمكة صوته ولم يروا شخصه انظر الهمع ( 1 / 200 ) ، الشذور ( 235 ) ، الدرر ( 1 / 169 ) ، تعليق الفرائد ( 1 / 1612 ) ، مشاهد الإنصاف ( 2 / 146 ) .